بقلم عبد السلام أبو ندى
منذ النظرة الأولى لميثاق حماس والذي تتخذه حماس الوثيقة التي تمايزها عن أي من الحركات والفصائل الفلسطينية الأخرى يظهر جليا حالة الارتباك الشكلية والبنيوية الذي وقعت فيه الحركة في عملية الصياغة ليؤدي غرضا أساسه إرضاء كل من يقرأه بما فيها العدو المعلن للحركة المتمثل بمن منحها الرخصة القانونية للبدء في تنفيذ مهمة خدمة مصالحها وهي إسرائيل، ومن هنا لا يمكن أن نغيب القصد لدى حماس على أن تحظى بهذا الرضى، وهي تعلم كل العلم بأن إسرائيل تبحث عن صراع عقائدي ديني يغيب الوطنية الفلسطينية ومصالحها، فجاءت الصياغة مرتبكة من الناحية الشكلية ولكنها محكمة الهدف والقصد بما يخدم احتياج الطرفين عبر ديمومة الصراع عقائديا، ولهذا استطاع النص أيضا إقناع العقلية المنكفئة على اعتماد التراث السياسي الديني للجمهور الإسلامي والعربي والفلسطيني كأصل للعقيدة وليس كتراث إنساني لا علاقة له بالدين.
تمثل الارتباك البنيوي و الشكلي في صياغة ميثاق حماس في طريقة ترتيبه وفهرسته، حيث بدأ بثلاث آيات قرآنية من سورة آل عمران (110-112) يتضح جليا أنها اقحمت على الميثاق في وقت متأخر على تقديم النظام الداخلي الذي تم تقديمه للحاكم العسكري الإسرائيلي من أجل الحصول على ترخيص بإجازة عمل المجمع وإن كان قد تضمنها ذلك النظام فإن إسرائيل لن تكون الّا فرحة لذلك لأن مجرد وجود هذه الآيات في الافتتاح يؤكد لها بـأن حماس لن تكون ألا أداة حامية للمشروع الصهيوني بتحقيق أهدافه لما لوجود هذه الايات من تبعيات لاحقة لا تخفى على أحد "كُنْتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت للنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمَعْروُفِ وتَنْهَونَ عن المُنْكر وتُؤْمِنُونَ بالله ولو آمن أَهلُ الكِتَابِ لكان خيرًا لَهُم منْهُمُ المُؤْمنُون وأَكْثَرُهُم الفاسقون لَنْ يَضُرُّوكُم إلاّ أذى وإِنْ يُقَاتِلُوكم يُوَلُّوكُم الأدْبارَ ثم لا يُنصَرُون، ضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إلا بحَبْل مِنَ الله وحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ من اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ المَسْكَنَةُ ذلِكَ بأنَّهُم كَانُوا يَكْفُرُونَ بآياتِ الله ويَقْتُلون الأَنبياءَ بغَيرِ حَقٍّ ذَلِكَ بما عَصَوا وَكانوا يَعْتَدُون"، ويلاحظ هنا أن الحركة توجهت بخطابها إلى كل من هو ليس مسلما ناسية طبيعة التركيبة المختلفة وفسيفساء التكوين العقائدي للشعب الفلسطيني والشعوب العربية والإسلامية الأخرى وهذا إذ يدلل بوضوح أن حماس ومنذ الوهلة الأولى قد بينت أنها تنظيما سياسيا دينيا لا يعنيها أبدا مكونات وطنية فلسطينية مهما كان تجذرها بأرض فلسطين وزرعت بذور فتنة منذ الوهلة الأولى في مكونات المجتمع الفلسطيني، و ما لبث الميثاق بعد ذلك ألا أن استعار مقولتين طويلتين واحدة للشيخ حسن البنا والأخرى للشيخ أمجد الزهاوي ثم دعاء ديني طويل!؟ وجاءت مقولة حسن البنا لتسعد الكيان الصهيوني كما لم يسعدها أحد من قبل، وكان الاختيار دقيقا ليؤدي هذا الغرض وليسعد المتأثرين بالفكر العقائدي وطالبي استمرار الصراع "ستقوم إسرائيل وستظل قائمة إلى أن يبطلها الإسلام كما أبطل ما قبلها"‘ أما قول الزهاوي ومقولته التي تضمنها الميثاق " إن العالم الإسلامي يحترق، وعلى كل منا أن يصب ولو قليلاً من الماء ليطفئ ما يستطيع أن يطفئه دون أن ينتظر غيره"، هاتان المقولتان وما سبقهما من آيات قرآنية يؤكد أن القضية المطروحة في هذه النصوص هي قضية دينية افتراضية لعالم كامل وليس للشعب الفلسطيني البتة، وأن الاختباء وراءها ما هو إلا عملية تدليس سياسية على الشعوب العربية والشعب الفلسطيني على وجه الخصوص والدقة، وهذا يجعلنا نتفق مع ما ذهب إليه الباحث يونس الرجوب في كل ماقاله ونختلف جزئيا معه عندما اعتبر أن ليس لها ارتباط بأية نصوص سياسية تشير إلى وجود حركة سياسية بل على العكس من ذلك، وهذا ما قاله: (كل ذلك تورية دينية عامة ليست لها علاقة بالقضية الفلسطينية، وليس لها ارتباط بأية نصوص سياسية تشير إلى وجود حركة سياسية تقف خلف هذه النصوص أو حركة ثقافية تدرك ما تقول وتعي ما تريد؛ هذا فضلاً عن أن ضمير المخاطب في هذه النصوص هم الناس عموما وليس الشعب الفلسطيني على وجه الدقة والتحديد مثلما هو جار في النصوص الصادرة عن التنظيمات والحركات السياسية الأخرى).
إن ذلك كان يعكس تماما أن حركة حماس كانت تعي بالضبط ما تريده واختارت المكبوت العقائدي الذي أطلق عليه يونس الرجوب تورية دينية ليكون النص السياسي والأداة والسلاح الذي سيحقق طموحاتها وطموحات من وظفها وأجاز لها الترخيص وحرية الحركة لتكون العصا القوية في يده وقتما شاء.
بعد هذه النصوص الدينية من آيات وأقوال للبنا والزهاوي تذهب وثيقة ميثاق حماس إلى المقدمة، وهو الشيء الذي يثير الشك عن الفترات الزمنية التي أدخلت عليها سوابق المقدمة وإذا ما كانت قد كتبت متزامنة مع كتابة الميثاق أم في أوقات مختلفة لتتواءم مع الفترات الزمنية والسياسية المختلفة وعلى الأغلب أن هذا هو الرأي الراجح لدينا إذا ما علمنا أن حركة حماس قد نشرت ثلاث صور لتراخيص المجمع غير الذي منحه له ضابط الركن الإسرائيلي بل هي ممنوحة من قبل السلطة الفلسطينية‘ الأول بتاريخ 11 ديسمبر 1995 وهو لا يحمل أي توقيع من أي كان والثاني بتاريخ 3 /5/2001 موقع من وكيل وزارة الداخلية الفلسطينية السيد سعيد التميمي وهو عبارة عن توفيق أوضاع جمعية/مؤسسة والآخر بتاريخ 15/8/ 2001 موقع من الوزيرة انتصار الوزير ويحمل الرقم 206 للجمعية وهو مخالف للرقم الذي حمله الترخيصان السابقان وهو 1950، وهذا ما يثير الاستهجان والغرابة!؟
المقدمة
الحمد لله نستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوكل عليه، ونصلِّي ونسلِّم على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم ومن والاه، ودعا بدعوته واستن بسنته، صلاةً وتسليمًا دائمين ما دامت السماوات والأرض وبعد
(يا ايها الناس:
من وسط الخطوب، وفي خضم المعاناة، ومن نبضات القلوب المؤمنة والسواعد المتوضئة، وإدراكًا للواجب، واستجابةً لأمر الله، كانت الدعوة وكان التلاقي والتجمع، وكانت العروبة على منهج الله، وكانت الإرادة المصممة على تأدية دورها في الحياة، متخطية كل العقبات، متجاوزة مصاعب الطريق، وكان الإعداد المتواصل، والاستعداد لبذل النفس والنفيس في سبيل الله.
وكان أن تشكلت النواة وأخذت تشق طريقها في هذا البحر المتلاطم من الأماني والآمال، ومن الأشواق والتمنيات، والمخاطر والعقبات، والآلام والتحديات في الداخل والخارج.
لمّا نضجت الفكرة، ونمت البذرة وضربت النبتة بجذورها في أرض الواقع، بعيدًا عن العاطفة المؤقتة، والتسرع المذموم انطلقت حركة المقاومة الإسلامية لتأدية دورها ماضية في سبيل ربها، تتشابك سواعدها مع سواعد كل المجاهدين من أجل تحرير فلسطين، وتلتقي أرواح مجاهديها بأرواح كل المجاهدين الذين جادوا بأنفسهم على أرض فلسطين، منذ أن فتحها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحتى يومنا هذا.
وهذا ميثاق حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، يجلي صورتها ويكشف عن هويتها، ويبين موقفها، ويوضح تطلعها، ويتحدث عن آمالها، ويدعو إلى مناصرتها ودعمها، والالتحاق بصفوفها، فمعركتنا مع اليهود جد كبيرة وخطيرة، وتحتاج إلى جميع الجهود المخلصة، وهي خطوة لابد من أن تتبعها خطوات، وكتيبة لابد من أن تدعمها الكتائب تلو الكتائب من هذا العالم العربي والإسلامي المترامي الأطراف حتى يندحر الأعداء، ويتنزل نصر الله هكذا نلمحهم في الأفق قادمين.
ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ؟
كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إنَّ اللهَ قَويٌّ عَزيز (المجادلة)
قُلْ هذه سَبِيِلي أَدْعُو إلى الله على بَصِيرةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحَانَ اللهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ (يوسف)
بعد أن تنتهي هذه المقبلات الدينية التي استهل بها الميثاق اطلالته يذهب إلى المقدمة التي تبدأ هي الأخرى بدعاء يضع مداميك البناء السياسي لحماس ويحدد طبيعتها العقائدية السياسية المتمثلة بأنها حركة إسلامية سنية لا جدال فيها بما لا يدع مجالا للشك بأن حركة حماس اختطت لها طريقا لا علاقة له باستحقاقات الوطنية الفلسطينية وعبر استخفاف واضح لا لبس فيه والتمادي بالإصرار على تدليس سياسي مفضوح بادعاء عدم العلم بعناصر ومكونات القضية الفلسطينية والدراية بالظروف والوقائع التي جرت في إطارها‘ مفترضة أن هذا المكبوت العقائدي وهذا الإطار الفكري هو القضية الفلسطينية وأن عدم ذكرها بالنسبة لهم لا ضرورة له بما يخالف أسس وقواعد أي عمل فدائي أو نضالي لشعب يسعى إلى استعادة ما سلب منه وتحقيق الحرية والاستقلال والعدالة عبر معطيات ظروف مجتمع دولي متغير وأوضاع سياسية إقليمية ودولية فارضة نفسها على كل مجريات الأمور في كل بقاع الأرض بما فيها القضية الفلسطينية، ناهيك عن المخاطبة بجملة " يا أيها الناس" فالضمير المخاطب في هذه النصوص هم الناس عموما وليس الشعب الفلسطيني على وجه الدقة والتحديد مثلما هو جار في النصوص الصادرة عن التنظيمات والحركات السياسية الأخرى، يأتي ذلك لتكريس المكبوت العقائدي المستوحى من ظلمات التاريخ السياسي على مدار العقود للدولة الإسلامية التي تغلبت فيها روح الاغتيالات والقتل بكل الأساليب جريا وراء إمارة أو سلطة، حيث كان المنادي ينادي باسم الحاكم الأمير يا أيها الناس وهذا تدليل ورمزية لا تخفى على كل ذي بصيرة.
ويذهب النص الإنشائي ليتحدث عن تشكيل نواة اشتقت طريقها في بحر متلاطم من الأماني والآمال ومن الأشواق والتمنيات، وكل هذه المصطلحات الفارغة من المضمون، وهي في حقيقة الأمر تزيد من إثارة التساؤلات والغرابة في تشخيص الخلفيات التاريخية لأي وعي سياسي وطني ناضج، وكل الهدف منها لا يعدو كونها وضعت لدغدغة العواطف واللعب على وتر المكبوت العقائدي فقط، و لم تكن لتمثل أبدا وعيا قد يؤدي إلى قراءة سياسية وطنية ناضجة، تبحث عن هدف وطني، بل تزيد من غموض الهدف غموضا أكبر، بل وهروبا مقصودا عن تحديد ما يجب أن يكون وهو الهدف الوطني الفلسطيني، و يتواتر النص على نفس الخلفية من بحر الأماني والأشواق في محاولات مقصوده للعب على العاطفة في محاولة مفضوحة ومكشوفة دون الأخذ بحقيقة وواقع الأمر على الأرض ودون أي ذكر لما وصلت إليه نتائج النضال الوطني الفلسطيني لمن سبقهم ممن بدأوا بالعمل النضالي منذ النكبة، ويزداد الغموض عندما يقولون "وكان أن تشكلت النواة" ولم يقولوا: أين تشكلت هذه النواة وما هي الظروف السياسية الذاتية والموضوعية التي فرضت هذا التشكيل‘ بل و ذهب الميثاق في غيه عندما أصر ألّا يذكر الفواصل التاريخية التي سبقته في النضال الوطني الفلسطيني ناجحة كانت أو فاشلة.
النص السياسي الديني الوارد في مقدمة ميثاق حركة حماس تمت صياغته بصورة محكمة هدفها طمس وكل عناصر التركيبة الوطنية الفلسطينية ويعمل على اسقاطها عن سابق قصد لوجود الهدف الوطني الفلسطيني، ويعي تماما طبيعة المهمة الموكلة لحركة حماس وبالتالي وضحها عبر لغة المقدمة متعمدة اسقاط اسم فلسطين كوطن قومي للشعب الفلسطيني ولم يتم التطرق لفلسطين الّا مرتين، و ذهب الميثاق بنص محكم ومقصود لطمس الحقائق الجامعة للقضية الوطنية الفلسطينية أرضا وشعباً وحضارة وتاريخا وعناصر ومكونات لشخصية وطنية مستقلة، واستبدالها بشخصية افتراضية جديدة بديلة للمجتمع الفلسطيني جميعه هي حركة حماس، لتعمل على تفعيل الثورة المضادة التي تستهدف الهوية الوطنية لهذا المجتمع، ولتستهدف طبيعة الصراع العربي الصهيوني وتحرفه ليكون صراعا عقائديا دينيا كما أراده رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وبالتالي إرادة الحركة الصهيونية وتحقيق مصالحها. أما قولهم "وهذا ميثاق حركة المقاومة الإسلامية حماس يجلي صورتها ويكشف عن هويتها" فإنه قول لم يعد له من البلاغ عن شيء سوى التأكيد على النصوص الدينية السابقة، وبالتالي فإنه لا يشير هو الآخر إلى مضمون جديد ولا يعبر عن قضية جديدة غير القضية الافتراضية المحبوكة بعلم الكلام والذرائعية السياسية والعقائدية، والدفع باتجاه المضمر والمجهول الذي لا يفيد القارئ بشيء ولا يرشده إلى حرف مكتوب"، وبهذا نتفق تماما مع الاستاذ يونس الرجوب في تشخيص هذه الاقوال.
Abdelsalam Abunada
Journalist, Filmmaker, & Media Development Specialist
00970-597707444, 00970599413915, 00970595504554
www.shubedna.com
fb: www.facebook.com/filmmakersalam.nada
Twitter: @salamnada
Skype: Salaam Nada Abunada
Ramallah, West Bank

